إلهي أنت مقصودي و رضاك مطلوبي

 فقه الحج: الدكتور الشيخ صلاح الدين كفتارو

دمشق: 28-11-2008

Dr.Salahudin Keftaro

(إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ / فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) [آل عمران:96- 97] أيها الإخوة: الكعبة هي أول بيت وضعه الله عز وجل لعبادته في الأرض، وجعله مثابة للناس وأمناً، وفرض على عباده أن يشدوا الرحال إليه، ليعظموا شعائر الله في تلك البقعة الطاهرة، وليؤدوا مناسك الحج والعبادة، عند ذلك البيت الذي طهره الله للطائفين والعاكفين والركع السجود.. والكعبة بيت الله الحرام، ومهوى أفئدة الأنام، باركه الله واختصه بالخير، وأغدق عليه وعلى من حج إليه، سحائب رحمته، وفيض غفرانه، وأمنه وكرمه.. وهي قبلة المسلمين ومتعبدهم، يتجه إليها المؤمنون بقلوبهم ووجوههم أينما كانوا وحيثما حلوا، فهي مصدر هداية وتقى، ووحي قدسية وطهارة وهي للآمال محط، وللأفئدة ملتقى.

ولقد جعل الله تبارك وتعالى في هذا البيت من الآيات البينات، ما زاده رفعة ومكانة وأهمية، فمن هذه الآيات مقام إبراهيم، تخليداً لذكرى هذا النبي الجليل، الذي تولى بنفسه مع ولده إسماعيل، رفع قواعده أول بيت وضع للناس بتكليف من رب العالمين:(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [البقرة:127]

ولما جاء الإسلام ، لم يزد هذا البيت إلا تعظيماً وتشريفاً وأماناً لمن دخله وتكريماً.

ولما جاء الإسلام لم يزد هذا البيت إلا تعظيماً وتشريفاً، وأماناً لمن دخله وتكريماً...

وما كان تعظيم هذا البيت إلا لعظمة الإنسان وكرامته، لا سيما عندما يسري في قلبه الإيمان ليصلح نفسه والمجتمع، وهكذا كان عمل الأنبياء وتلامذتهم وأتباعهم، فما كانت الرسالات إلا تكريماً للإنسان على الأرض وتخليداً له في السماء.. فلا يجب علينا أن نهتم بالمعابد وننسى العابد...

لذلك نرى سيدنا عمر رضي الله عنه، يقبل الحجر الأسود ويخاطبه فيقول: والله إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك.. ومن يتدبر أمر آيات الله سبحانه، يدرك الحقيقة العظمى والجوهر الواحد للشرائع الذي يقول:

(شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) [الشورى: من الآية13]

أيها الإخوة:

الحج إلى بيت الله الحرام، هو الركن الخامس من أركان الإسلام، وقد أوجبه الله على من استطاع إليه سبيلاً، وهو يجمع بين العبادات البدنية والمالية والمتعة الروحية، والنفسية، والحج من أعظم شعائر الإسلام، وأبعدها أثراً في حياة المسلمين، كيف لا وقد عني الإسلام بالدنيا كما ركز على الآخرة، وهنا تبرز أهمية فريضة الحج بقوله سبحانه: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ) [الحج: من الآية28]

إذ الحج في حقيقته هيئة أمم إسلامية ومؤتمر كبير، يلتقي فيه المسلمون بكافة شرائحهم، على تباعد ديارهم ، واختلاف ألسنتهم وألوانهم، فيتعارفون ويتآلفون حول أعز بيت وأقدس مطاف، عاملين متفقهين بقوله سبحانه:

(إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء:92]

 

يجتمعون في حرم الله، على طاعته وعبادته، وتوحيده وتقديسه، وتعظيم بيته وإقامة شعائره، كما يلتقوا لتدارس مصالح أمتهم والدفاع عنها من كيد الكائدين وظلم الظالمين، واعتداء المعتدين، ويضعوا الخطط والبرامج والاتفاقيات لنهضة الأمة ورشادها، وبذلك تتحقق المنافع، ونتقرب إلى الله بذكره والتزام أوامره، كما تتحقق بذلك الروابط الأخوية بين المسلمين، وينطلق التعاون بينهم وثيقاً متيناً، وتتوطد العلاقات والصلات بين مختلف شعوب الأمة الإسلامية، وهذا ما أكده النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «المسلم للمسلم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً» ولا يبنى هذا البنيان ولا يشاد إلا بإخوة الدين والحب بين المسلمين، قولاً وعملاً وسلوكاً، يقول سبحانه: (لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ) [لأنفال: من الآية63]

وهذا ما أشار إليه المصطفى صلى الله عليه وسلم بقوله: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم»

لما سرى هذا الحب بين المسلمين والتزموا نهج القرآن ووصايا سيد الأنام، صاروا أباطرة الأرض، حيث حكموا بالعدل وأفشوا السلام، وتفوقوا بالرحمة، فبنوا المدائن الفاضلة بتعزيز مكارم الأخلاق، حيث بقيت هذه المدائن عند غير المسلمين حبراً على ورق، ذلك لأن الله وصف حبيبه المصطفى، أسوتنا وقدوتنا، بقوله:(وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم:4]

أيها الإخوة: يقول نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: «لما أهبط الله آدم إلى الأرض، طاف بالبيت سبعاً وصلى ركعتين، ثم قال : اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي، فاقبل معذرتي، وتعلم حاجتي فأعطني سؤلي، وتعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنبي، اللهم إني أسألك إيماناً يباشر قلبي، ويقيناً صادقاً حتى أعلم أنه لا يصيبني إلا ما كتبته علي، ورضّني بما قسمت لي، يا ذا الجلال والإكرام، فأوحى الله تعالى إليه يا آدم: إنك دعوتني بدعاء استجبت لك فيه، وغفرت ذنوبك، وفرجت همومك وغمومك، ولن يدعو به أحد من ذريتك من بعدك، إلا فعلت ذلك به، ونزعت فقره من بين عينيه، واتجرت له من وراء كل تاجر، وأتته الدنيا وهي راغمة، وإن كان لا يريدها»

ويقول صلى الله عليه وسلم: «لما أسكن الله آدم البيت قال: إنك قد أعطيت كل عامل أجره، فأعطني أجري، فأوحى الله إليه، أني غفرت لك إذ طفت به، قال: يا رب زدني علماً، قال : قد غفرت لمن طاف به من ولدك، قال : فقام إبليس فقال: يا رب جعلتني في دار الفناء، وجعلت مصيري إلى النار، وجعلت معي عدوي آدم وقد أعطيته فأعطني كما أعطيته، قال: قد جعلتك تراه ولا يراك، قال يا ربي زدني، قال : قد جعلت قلبه سكناً لك، قال: يا ربي زدني، قال: قد جعلتك تجري منه مجرى الدم، قال : فقام آدم فقال : يا رب قد أعطيت إبليس فأعطني، قال: قد جعلتك تهم بالحسنة ولا تعملها فأكتبها لك، قال : يا ربي زدني، قال : قد جعلتك تهم بالسيئة ولا تعملها فلا أكتبها عليك، وأكتب لك مكانها حسنة، قال: يا رب زدني، قال : واحدة لي، وواحدة بيني وبينك، , وأخرى لك، وفضل مني عليك، فأما التي لي تعبدني ولا تشرك بي شيئاً، وأما التي بيني وبينك، فمنك الدعاء ومني الإجابة، وأما التي لك، فإنك تعمل الحسنة فأكتبها بعشر أمثالها، وأما التي فضل مني عليك فتستغفرني فأغفر لك، وأنا الغفور الرحيم»

قولوا آمين : اللهم اغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج.

أيها الإخوة: من كتب الله له الحج هذا العام، ولم يلتحق بركب الحجيج إلى اليوم، فأتمنى عليه وأرجوه أن يبلغ سلامنا جميعاً إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما يزور المدينة المنورة، أن يقول لحبيبنا محمد: يا رسول الله إننا على العهد ماضون، وعن العقيدة مدافعون، وبنهجك يا حبيب الله ملتزمون.

قل له يا أخي الزائر: يا سيدي يا رسول الله : لقد منَّ الله بك علينا، وشرفنا برسالتك العالمية، فنرجو أن تكون شفيعاً لنا يوم القيامة...

ذكر ابن كثير في تفسيره عن العتبي قال : كنت جالساً عند مقام النبي صلى الله عليه وسلم، فأتى أعرابي فقال: السلام عليك يا سيدي يا رسول الله، لقد سمعت الله تعالى يقول: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً) [النساء: من الآية64]

وقد جئتك مستغفراً لذنبي، مستشفعاً بك إلى ربي، ثم أنشد يقول:

يا خير من دفنت في القاع أعظمه ............ نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه

فطاب من طيبهنّ القاع والأكم ................. فيه العفاف وفيه الطهر والكرم

 

يقول العتبي :

ثم انصرف الأعرابي، فغلبتني عيني، فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الرؤيا وقال لي : «يا عتبي إلحق بالأعرابي وبشره بأن الله قد غفر له»

فصلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله

صلى الله عليك يا شفيع المؤمنين والمحبين

ويا سيدي الأنام ويا معلم المسلمين

يا رحمة للعالمين...